فصل: تفسير الآية رقم (127):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (125):

{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)}
{فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ} أي يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان، وقالت المعتزلة؛ المراد يهديه إلى الثواب أو إلى الجنة أو يثيبه على الهدى أو يزيده ذلك {يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام} فيتسع له وينفسح وهو مجاز أو كناية عن جعل النفس مهيأة لحلول الحق فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم حين قيل له: كيف الشرح يا رسول الله؟ فقال: «نور يقذف في الصدر فينشرح له وينفسح» فقيل: هل لذلك من آية يعرف بها يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} أي يخلق فيه الضلالة لسوء اختياره، وقيل: المراد يضله عن الثواب أو عن الجنة أو عن زيادة الإيمان أو يخذله ويخلي بينه وبين ما يريده {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا} بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يكاد يكون فيه للخير منفذ وقرأ ابن كثير {ضَيّقًا} بالتخفيف، ونافع وأبو بكر عن عاصم {حَرَجًا} بكسر الراء أي شديد الضيق والباقون بفتحها وصفًا بالمصدر للمبالغة. وأصل معنى الحرج كما قال الراغب مجتمع الشي وتُصوِّر منه ضيق ما بينهما، ومنه قيل: للضيق حرج، وقال بعض المحققين: أصل معناه شدة الضيق فإن الحرجة غيضة أشجارها ملتفة بحيث يصعب دخولها. وأخرج ابن حميد وابن جرير وغيرهما عن أبي الصلت الثقفي أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ {حَرَجًا} بفتح الراء وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {حَرَجًا} بكسرها فقال عمر: أبغوني رجلًا من كنانة واجعلوه راعيًا وليكن مدلجيًا فأتوه به فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء فقال عمر رضي الله تعالى عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.
{كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السماء} استئناف أو حال من ضمير الوصف أو وصف آخر، والمراد المبالغة في ضيق صدره حيث شبه بمن يزاول ما لا يكاد يقدر عليه فإن صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة الاستطاعة، وفيه تنبيه على أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود، والامتناع في ذلك عادي. وعن الزجاج معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبوًا عن الحق وتباعدًا في الهرب منه، وأصل {يَصْعَدُ} يتصعد وقد قرئ به فادغمت التاء في الصاد. وقرأ ابن كثير {يَصْعَدُ} وأبو بكر عن عاصم {يصاعد} وأصله أيضًا يتصاعد ففعل به ما قتدم.
{قَالَ كذلك} إشارة إلى الجعل المذكور بعده على ما مر تحقيقه أو إشارة إلى الجعل السابق أي مثل ذلك الجعل أي جعل الصدر حرجًا على الوجه المذكور {يَجْعَلُ الله الرجس} أي العذاب أو الخذلان. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه قال: الرجس ما لا خير فيه. وقال الراغب: «الرجس الشيء القذر»، وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة. وأصله على ما قيل من الارتجاس وهو الاضطراب {عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ} أي عليهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل.

.تفسير الآية رقم (126):

{وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126)}
{وهذا} أي ما جاء به القرآن كما روي عن ابن مسعود أو الإسلام كما روي عن ابن عباس أو ما سبق من التوفيق والخذلان كما قيل. {صراط رَبّكَ} أي طريقه الذي ارتضاه أو عادته وطريقته التي اقتضتها حكمته. ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطب من اللطف {مُّسْتَقِيمًا} لا اعوجاج فيه ولا زيغ أو عادلًا مطردًا وهو إما حال مؤكدة لصاحبها وعاملها محذوف وجوبًا مثل هذا أبوك عطوفًا أو مؤسسة والعامل فيها معنى الإشارة أو ها التي للتنبيه {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات} بيناها مفصلة {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي يتذكرون ما في تضاعيفها فيعلمون أن كل الحوادث بقضائه سبحانه وقدره وأنه جل شأنه حكيم عادل في جميع أفعاله، وتخصيص هؤلاء القوم بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك التفصيل.

.تفسير الآية رقم (127):

{لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بما كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)}
{لَهُمْ} أي لهؤلاء القوم {دَارُ السلام} أي الجنة كما قال قتادة، والسلام هو الله تعالى كما قال الحسن. وأبن زيد والسدي. وإضافة الدار إليه سبحانه للتشريف. وقال الزجاج والجبائي: {السلام} عنى السلامة أي دار السلامة من الآفات والبلايا وسائر المكاره التي يلقاها أهل النار. وقيل: هو عنى التسليم أي دار تحيتهم فيها سلام {عِندَ رَبّهِمْ} أي في ضمانه وتكفله التفضلي أو ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنه ذلك غيره. والجملة مستأنفة، وقيل: صفة لقوم {وَهُوَ وَلِيُّهُم} أي محبهم أو ناصرهم {ا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بسبب أعمالهم الصالحة أو متوليهم متلبسًا بجزائها بأن يتولى إيصال الثواب إليهم.
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوًّا} [الأنعام: 112] لتفاوت مراتب أرواحهم في الصفاء والكدورة والنور والظلمة والقرب والبعد. ومن هنا قيل: والجاهلون لأهل العلم أعداء. وكلما اشتد التفاوت اشتدت العداوة وزاد الإيذاء الناشيء منها. ولهذا ورد في بعض الآثار «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت». وتسبب هذه العداوة مزيد التوجه إلى الحق جل شأنه والإعراض عن الملاذ والحرص على الفضيلة التي يقهر بها العدو والاحتراز عما يوشك أن يكون سببًا للطعن إلى غير ذلك {وَلِتَصْغَى} أي تميل {إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ اللذين لاَ يُؤْمِنُونَ} وهم المحجوبون لوجود المناسبة {وَلِيَرْضَوْهُ} حبتهم إياه {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 113] من اسم التعاضد والتظاهر {أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَمًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ *الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب} المعجز الجامع {مُفَصَّلًا} [الأنعام: 114] فيه الحق والباطل بحث لا يبقى معه مقال لقائل فطلب ما سواه مما لا يليق بعاقل ولا يميل إليه إلا جاهل {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ} أي تم قضاؤه في الأزل بما قضى وقدر {صِدْقًا} مطابقًا لما يقع {وَعَدْلًا} مناسبًا للاستعداد، وقيل: صدقًا فيما وعد وعدلًا فيما أوعد {لاَ مُبَدّلَ لكلماته} [الأنعام: 115] لأنها على طرز ما ثبت في علمه والانقلاب محال {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض} أي من الجهة السفلية بالركون إلى الدنيا وعالم النفس والطبيعة {يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله} لأنهم لا يدعون إلا للشهوات المبعدة عن الله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ} أي ما يتبعون لكونهم محجوبين في مقام النفس بالأوهام والخيالات {إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116] بقياس الغائب على الشاهد {وَذَرُواْ ظاهر الإثم} من الأقوال والأفعال الظاهرة على الجوارح {وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120] من العقائد الفاسدة والعزائم الباطلة. وقال سهل: ظاهر الإثم المعاصي كيف كانت وباطنه حبها، وقال الشبلي: ظاهر الإثم الغفلة وباطنه نسيان مطالعة السوابق، وقال بعضهم: ظاهر الإثم طلب الدنيا وباطنه طلب الجنة لأن الأمرين يشغلان عن الحق وكل ما يشغل عنه سبحانه فهو إثم، وقيل: ظاهر الإثم حظوظ النفس وباطنه حظوظ القلب، وقيل: ظاهر الإثم حب الدنيا وباطنه حب الجاه، وقيل: ظاهر الإثم رؤية الأعمال وباطنه سكون القلب إلى الأحوال.
{وَإِنَّ الشياطين} وهم المحجوبون بالظاهر عن الباطن {لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ} أي من يواليهم من المنكرين {ليجادلوكم} بما يتلقونه من الشبه {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} وتركتم ما أنتم عليه من التوحيد {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] مثلهم {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا} بالجهل وهوى النفس أو الاحتجاب بصفاتها {فأحييناه} بالعلم ومحبة الحق أو كشف حجب صفاته {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا} من هدايتنا وعلمنا أو نورًا من صفاتنا {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا} بالمجاهدات {فأحييناه} بروح المشاهدات أو ميتًا بشهوات النفس {فأحييناه} بصفاء القلب أو ميتًا برؤية الثواب فأحييناه برؤية المآب إلى الوهاب وجعلنا له نور الفراسة أو الإرشاد، وقال جعفر الصادق: المعنى أو من كان ميتًا عنا فأحييناه بنا وجعلناه إمامًا يهدي بنور الإجابة ويرجع إليه الضلال، وقال ابن عطاء: أو من كان ميتًا بحياة نفسه وموت قلبه فأحييناه بإماتة نفسه وحياة قلبه وسهلنا عليه سبل التوفيق وكحلناه بأنوار القرب فلا يرى غيرنا ولا يلتفت إلى سوانا {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات} أي ظلمات نفسه وصفاته وأفعاله {لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا} لسوء استعداده {كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين} المحجوبين {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] فاحتجبوا به {وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} ويكون ذلك سببًا لمزيد كمال العارفين حسا تقدم في جعل الأعداء للأنبياء عليهم السلام. ويمكن أن يكون إشارة إلى ما في الأنفس أي {وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ} وجود الإنسان التي هي البدن {أكابر مُجْرِمِيهَا} من قوى النفس الأمارة {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} بإضلال القلب {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ} [الأنعام: 123] لأن عاقبة مكرهم راجع إليهم ءافاقًا وأنفسًا {وَإِذَا جَاءتْهُمْ} على يد الرسول عليه الصلاة والسلام {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله الله} من الرسالة إليهم {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وذلك حيث خزينة الاستعداد عامرة والنفس قدسية {سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ} بالاحتجاب عن الحق {صَغَارٌ عِندَ الله} أي ذل بذهاب قدرهم حين خراب أبدانهم {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} [الأنعام: 124] بحرمانهم الملائم ووصول المنافي إليهم في المعاد الجسماني {فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ} إليه ويعرفه به {يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام} بأن يقذف فيه نورًا من أنواره فيعرفه بذلك {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا} لا يدخل فيه شيء من أنوار شمس العرفان {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السماء} نبوًا وهربًا عن قبول ذلك لأنه خلاف استعداده، وقيل: المعنى فمن يرد الله أن يهديه للتوحيد يشرح صدره لقبول نور الحق وإسلام الوجود إلى الله سبحانه بكشف حجب صفات نفسه عن وجه قلبه الذي يلي النفس فينفسح لقبول نور الحق ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا باستيلاء النفس عليه وضغطها له كما يصعد في سماء روحه مع تلك الهيآت البدنية المظلمة وذلك أمر محال، وقيل: غير ذلك {كذلك يَجْعَلُ الله الرجس} أي رجس التلوث بنتن الطبيعة{عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] وهم المحجوبون عن الحق {وهذا} أي طريق التوحيد أو الجعل {صراط رَبّكَ} أي طريقه الذي ارتضاه أو عادته التي اقتضتها حكمته {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [الأنعام: 126] المعارف والحقائق المركوزة في استعدادهم {لَهُمْ دَارُ السلام عِندَ رَبّهِمْ} [الأنعام: 127] هي ساحة جلاله وحضائر قدس صفاته ومساقط وقوع أنوار جماله المنزهة عن خطر الحجاب وعلة العتاب وطريان العذاب وهو وليهم بنعت رعايتهم وكشف جماله لهم أو وليهم يحفظهم عن رؤية الغير في البين. ويجوز أن يكون المعنى لهم دار السلامة من كل خوف وآفة حيث يكون العبد فيها في ظل الذات والصفات وريف البقاء بعد الفناء؛ والكثير على أن السلام من أسمائه تعالى فما ظنك بدار تنسب إليه جل شأنه:
إذا نزلت سلمى بواد فماؤه ** زلال وسلسال وأشجاره ورد

نسأل الله تعالى أن يدخلنا هاتيك الدار بحرمة نبيه المختار صلى الله عليه وسلم.

.تفسير الآية رقم (128):

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)}
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} نصب على الظرفية والعامل فيه مقدر أي أذكر أو نقول أو كان ما لا يذكر لفظاعته، وجوز أن يكون مفعولًا به لمقدر أيضًا أي أذكر ذلك اليوم، والضمير المنصوب لمن يحشر من الثقلين، وقيل: للكفار. وقرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب {يُحْشَرُ} بالياء والباقون بنون العظمة على الإلتفات لتهويل الأمر.
وقوله سبحانه: {كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن} على إضمار القول، والمعشر الجماعة أمرهم واحد، وقال الطبرسي: «الجماعة التامة من القوم التي تشتمل على أصناف الطوائف ومنه العشرة لأنها تمام العقد»، والمراد بالجن أو عشرهم على ما قيل الشياطين، وذكر بعض الفضلاء أن الجن يقال على وجهين، أحدهما: للروحانيين المستترين عن الحواس كلها فيدخل فيهم الملائكة والشياطين، وثانيهما: للروحانيين مما عدا الملائكة، وقال آخرون: إن الروحانيين ثلاثة أخيار وهم الملائكة وأشرار وهم الشياطين وأوساط فيهم أخيار وأشرار، وأيًا ما كان فالمقصود بالنداء الأشرار الذين يغوون الناس فإنهم أهل للخطاب بقوله سبحانه: {قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس} أي أكثرتم من إغوائهم وإضلالهم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والزجاج، فالكلام على حذف مضاف أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم كما يقال: استكثر الأمير من الجنود وهذا بطريق التوبيخ والتقريع. قيل: وإنما ذكر المعشر في جانب الجن دون جانب الإنس لما أن الإغواء كثيرًا ما يقتضي التظاهر والتعاون، وفي المعشر نوع إيماء إليه ولا كذلك الغوى.
{وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم} أي الذين أطاعوهم واتبعوهم {مّنَ الإنس} أي الذين هم من الإنس أو كائنين منهم، فمن إما لبيان الجنس أو متعلقة حذوف وقع حالًا من أولياء {رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} أي انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها والجن بالإنس حيث اتخذوهم قادة ورؤساء واتبعوا أمرهم فادخلوا عليهم السرور بذلك. وعن الحسن وابن جريج والزجاج وغيرهم أن استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا إذا سافر أحدهم وخاف الجن قال: أعوذ بسيد هذا الوادي. واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنهم قادرون على إعاذتهم وإجارتهم. وعن محمد بن كعب أن المراد باستمتاع بعضهم ببعض طاعة بعضهم بعضًا وموافقته له، وقال البلخي: يحتمل أن يكون الاستمتاع مقصورًا على الإنس فيكون الإنس قد استمتع بعضهم ببعض الجن دون الجن.
{وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا} وهو يوم القيامة على ما قاله غير واحد، وعن الحسن والسدي وابن جريج أنه الموت والأول أولى، وإنما قال الأولياء ما قالوا اعترافًا بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى وتكذيب البعث وإظهارًا للندامة عليها وتحسرًا على حالهم واستسلامًا لربهم وإلا ففائدة الخبر ولازمها مما لا تحقق له.
قيل: ولعل الإقتصار على حكاية كلام الضالين للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلًا. وقرئ {آجالنا} بالجمع و{فَلْيُؤَدّ الذى} بالتذكير والإفراد، قال أبو علي: هو جنس أو وقع الذي موقع التي.
{قَالَ} استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى: حينئذ؟ فقيل قال: {النار مَثْوَاكُمْ} أي منزلكم ومحل إقامتكم أو ذات ثوائكم على أن الثوى اسم مكان أو مصدر {خالدين فِيهَا} حال من ضمير الجمع والعامل فيها مثوى إن كان مصدرًا وقدروا عاملًا أي يبوؤن خالدين إن كان مثوى اسم مكان لأنه حيئنذ لا يصلح للعمل. وقال أبو البقاء: إن العامل في الحال على هذا التقدير معنى الإضافة، وردوه بأن النسبة الإضافية لا تعمل ولا يصح أن تنصب الحال {إِلاَّ مَا شَاء الله} نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه تعالى استثنى قومًا قد سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من المحكي وأن ما عنى من، ولا يخفى أن استعمال ما للعقلاء قليل فيبعد ذلك كما يبعد شمول ما تقدم للمستثنى، وقيل: إن ما مصدرية وقتية على ما هو الظاهر، والمراد إلا الوقت الذين ينقلون فيه إلى الزمهرير، فقد روي أنهم يدخلون واديًا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم، ورد بأن فيه صرف النار من معناها العلمي وهو دار العذاب إلى اللغوي، وأجيب عنه بأنه لا بأس به إذا دعت إليه ضرورة، وقيل عليه: إن المعترض لا يسلم الضرورة لإمكان غير هذا التأويل مع أن قوله سبحانه: {مَثْوَاكُمْ} يقتضي ما ذهب إليه المعترض بحسب الظاهر، وقيل: إن لهم وقتًا يخرجون فيه من دار العذاب، وذلك أنه روي أنهم يفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم استهزاء بهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ} [المطففين: 34].
وأنت تعلم أن ظواهر الآيات صادحة بعدم تخفيف العذاب عن الكفار بعد دخولهم النار وفي إخراجهم هذا تخفيف أي تخفيف وإن كان بعده ما يشيب منه النواصي، ولعل الخبر في ذلك غير صحيح، والمشهور أن المرائين يدنون من الجنة حتى إذا استنشقوا ريحها ورأوا ما أعد الله تعالى لعباده فيها نودوا أن أصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها الخبر بتمامه وقد قدمناه ويكون ذلك قبل إدخالهم النار كما لا يخفى على من راجع الحديث.
وقيل: المستثنى زمان إمهالهم قبل الدخول كأنه قيل النار مثواكم أبدًا إلا ما أمهلكم، ورده أبو حيان بأنه في الاستثناء يشترط اتحاد زمان المخرج والمخرج منه فإذا قلت قام القوم إلا زيدًا فإن معناه إلا زيدًا ما قام ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيدًا ما يقوم في المستقبل.
وكذلك سأضرب القوم إلا زيدًا معناه إلا زيدًا فإني لا أضربه في المستقبل ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيدًا فإني ما ضربته؛ وأجيب بأن هذا إذا لم يكن الاستثناء منقطعًا أما إذا كان منقطعًا فإنه يسوغ كقوله تعالى: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى} [الدخان: 56] أي لكن الموتة الأولى فإنهم ذاقوها فلعل القائل بأن المستثنى زمان إمهالهم يلتزم انقطاع الاستثناء كما في هذه الآية ولا محذور فيه مع ورود مثله في القرآن وفيه نظر ظاهر. «وذهب الزجاج إلى وجه لطيف إنما يظهر بالبسط فقال: المراد والله تعالى أعلم إلا ما شاء الله من زيادة العذاب ولم يبين وجه استقامة الاستثناء والمستثنى على هذا التأويل لم يغاير المستثنى منه في الحكم، قال ابن المنير: ونحن نبينه فنقول: العذاب والعياذ بالله عز وجل على درجات متفاوتة فكأن المراد أنهم مخلدون في جنس العذاب إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية وتنتهي إلى أقصى النهاية حتى تكاد لبلوغها الغاية ومباينتها لأنواع العذاب في الشدة تعد خارجة عنه ليست من جنس العذاب والشيء إذا بلغ الغاية عندهم عبروا عنه بالضد كما عبروا عن كثرة الفعل برب وقد وهما موضوعان لضد الكثرة من القلة وذلك أمر يعتاد في لغة العرب.
لقد جدت حتى كاد يبخل حاتم ** الى المنتهى ومن السرور يكاد

فكأن هؤلاء اذا نقلوا الى غاية اعذاب ونهاية الشدة فقد وصلوا الى حد الذي يكاد أن يخرج يخرج عن اسم العذاب المطلق حتى تسوغ معاملته في التعبير عاملة المغاير وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا البسط، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ما يؤيده»
انتهى، ونقل عن بعضهم أن هذا الاستثناء معذوق شيئة الله تعالى رفع العذاب أي يخلدون إلى أن يشاء الله تعالى لو شاء. وفائدته إظهار القدرة والإذعان بأن خلودهم إنما كان لأن الله تعالى شأنه قد شاءه وكان من الجائز العقلي في مشيئته أن لا يعذبهم ولو عذبهم لا يخلدهم وأن ذلك ليس بأمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل، وفي الآية على هذا دفع في صدور المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى قتضى الحكمة وأنه لا يجوز في العقل مقتضى ذلك، ولعل هذا هو الحق الذي لا محيص عنه، وفي معناه ما قيل: المراد المبالغة في الخلود عنى أنه لا ينتفي إلا وقت مشيئة الله تعالى وهو مما لا يكون مع إيراده في صورة الخروج واطماعهم في ذلك تهكمًا وتشديدًا للأمر عليهم، ومن أفاضل العصريين الأكابر من ادعى ذلك الوجه له وانه قد خلت عنه الدفاتر وهو مذكور في غير ما موضع فإن كان لا يدري فتلك مصيبة وإن كان يدري فالمصيبة أعظم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في ذلك عند قوله سبحانه: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} [هود: 108].
{إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في التعذيب والإثابة أو في كل أفعاله {عَلِيمٌ} بأحوال الثقلين وأعمالهم وا يليق بها من الجزاء أو بكل شيء ويدخل ما ذكر دخولًا أوليًا.